لقاء بعد 43 عامًا بقلم لواء دكتور/ سمير فرج.
- السيد الدكتور اللواء أركان حرب/ سمير فرج المحترم
- أود أولًا أن أشكركم على حسن استضافتكم لي وللأستاذ الدكتور علاء عون بمكتبكم صباح اليوم، وعلى ما أتحتموه لنا من وقتكم الثمين
- تذكرت أول مرة أسمع عنكم فيها، وكان ذلك في سنة 1975، وكنت وقتها أدرس الدكتوراه في الهندسة بإنجلترا، في جامعة لندن "London University"، وإذا بإعلانات متكررة على محطة "BBC1" تفيد بأن برنامج "بانورام
لقاء بعد 43 عامًا
بقلم لواء دكتور/ سمير فرج
السيد الدكتور اللواء أركان حرب/ سمير فرج المحترم
تحية طيبة وبعد،،،
أود أولًا أن أشكركم على حسن استضافتكم لي وللأستاذ الدكتور علاء عون بمكتبكم صباح اليوم، وعلى ما أتحتموه لنا من وقتكم الثمين.
تذكرت أول مرة أسمع عنكم فيها، وكان ذلك في سنة 1975، وكنت وقتها أدرس الدكتوراه في الهندسة بإنجلترا، في جامعة لندن “London University”، وإذا بإعلانات متكررة على محطة “BBC1” تفيد بأن برنامج “بانوراما” الشهير، والذي يذاع يوم الأحد من كل أسبوع، ويتابعه الشعب البريطاني باهتمام لما له من وزن ومصداقية وحيادية إلى حد كبير، سوف يستضيف، ولأول مرة، مناظرة بين شاب مصري يدرس بأعظم الكليات العسكرية في بريطانيا، والجنرال الإسرائيلي شارون، عن حرب أكتوبر، وذلك على الهواء مباشرة.
بمنتهى الصراحة، وضعنا أيدينا على قلوبنا، فهذا شاب صغير السن، يقابله جنرال عتيد بالجيش الإسرائيلي، وكنا قد عرفنا عنه أيام أكتوبر 1973 بأنه “جنرال الثغرة”، الذي تلقى علقة، هو وقواته، ألحقت بهم أكبر خسائرهم في الحرب. وإن كان الإعلام الإنجليزي، المنحاز عامة لإسرائيل، قد غطى هذه الثغرة من منظور إسرائيلي، ولم نعرف حقيقتها إلا من الخطابات التي كانت تصلنا من أهلنا في مصر.
ولكن هذا جنرال ذو خبرة، ومتمكن من اللغة الإنجليزية، ويسانده جزء كبير من الميديا البريطانية، لما لإسرائيل من سيطرة كبيرة عليها، والله أعلم محضرين لنا إيه! ومع ذلك كان عندنا شعور، رجونا الله أن يكون صحيحًا، أن هذا الشاب لا بد وأنه يجيد الإنجليزية، كما أنه، بحكم دراسته العسكرية العليا ببريطانيا، لا بد أنه نابه جدًا. وعلى أي حال، لن تسمح قواتنا المسلحة بتعرضه لهذا الموقف لو لم تثق بأن معلوماته غزيرة عن الحرب، وأنه قادر على مجابهة هذا الموقف.
كما أن مقدم البرنامج هو الإعلامي البريطاني واسع الشهرة، إيدجار آلن، المعروف بجديته، وبأنه شخص محترم ومحايد إلى حد كبير… وعلى العموم ربنا يسترها معانا.
كنت حينها سكرتيرًا لاتحاد الطلاب المصريين، وأعرف الكثير من الطلبة المصريين الذين يدرسون في لندن وخارجها، فقررنا حجز قاعة في ليليان بنسون هول، وهو أحد أبنية السكن الجامعي بجامعة لندن، وبه قاعتان، بكل منهما تليفزيون ملون، وكان عجبة في وقتها، يمكن حجز أي منهما مقابل سعر رمزي.
اجتمع عدد كبير من المصريين، وجاء أغلبهم قبل الميعاد، وجلسنا بالقاعة وأنفاسنا محبوسة، ولا نعرف كيف ستسير هذه المناظرة، الأولى من نوعها والمهمة جدًا لنا ولكل عربي في الغربة. فبعدها، ولوقت طويل، إما سيرفع كل منا رأسه عاليًا، وإما سيبتعد حزينًا.
بدأت المناظرة… وإذا بشاب مصري وسيم، عليه مظاهر الجدية والثقة بالنفس، وما إن بدأ في الكلام حتى سرى الدم في عروقنا، وبدأنا نبتسم. وإذا بهذا الشاب رابط الجأش، غير القابل للاستفزاز، الواثق من نفسه، يتكلم بهدوء وبالمنطق الغربي الدقيق، بلغة إنجليزية سليمة وواضحة، ويعطي الضربات، المعنوية طبعًا، للجنرال المتعجرف. وإذا بالجنرال العتيد يُستفز ويفقد النقاط، الواحدة وراء الأخرى.
ووضح للجميع أننا “ماشيين كويس أوي”، ونظرت ورائي فإذا بالمصريين، من فرط انفعالهم، يتركون مقاعدهم ويقتربون من التليفزيون، كأن ذلك سيجعلهم يشاهدون أكثر. وبدا وكأننا نشاهد ماتش كورة بين فريق مصري وفريق نكرهه، ومع كل لعبة حلوة لفريقك، والمكون من فرد واحد في هذه الحالة، تسمع الهتاف والتصفيق.
أصبح من الواضح أن سمير بك، هكذا سميناه، فلم نعرف من هو أو ما هي رتبته، كسب المناظرة تمامًا “Hands Down”، كما يقول الإنجليز، وأخرج شارون عن شعوره، واستفزه في أكثر من موقف، وبلغة البوكس كسبه بالقاضية. وفي تعليقات الصحف الإنجليزية الصادرة بعد المناظرة ما يؤيد كلامنا، يعني مش إحنا بس، كمصريين، اللي شفنا هذا الرأي.
ومع أنها كانت حلقة طويلة، فإنها مرت دون أن نحس بالوقت. ولم يكن أيامها قد وصلنا إلى اختراع تسجيل الفيديو، فلم نتمكن من إعادة مشاهدتها. ولكننا بدأنا على الفور نتساءل: من هذا الرجل؟ بيشتغل إيه؟ بيدرس فين في إنجلترا؟ محدش من الطلبة شافه ليه؟
وبدأ الإفتاء: ده قنصل مصر في باريس… لا لا، ده أصغر سفير مصري لباريس، وجاء هنا من أجل المناظرة لأن لغته الإنجليزية ممتازة… وهكذا.
طيب يا جماعة، بكرة نروح نستفهم من السفارة أو المركز الثقافي المصري. طيب شفت الحتة اللي قال فيها كذا أو كذا؟ طيب شفت شكل شارون بقى عامل إزاي؟ ده خد علقة تانية. الله ينور عليه سمير بك، رفع راسنا لفوق والله.
لم نستدل من السفارة المصرية عمن هو سمير بك، ورجعت لمصر، وبعدها بسنوات سطع نجم الدكتور سمير فرج كمحافظ غير تقليدي للأقصر، له أفكار لامعة وقدرة واضحة على اتخاذ القرار، وجعل الأقصر تشرفنا أمام السائحين.
ثم بدأنا نراه في البرامج التليفزيونية، وفي كل مرة نعجب بترتيب الأفكار، وطريقة الإلقاء، والأدب الجم في الحوار. وأصبح اسمه علامة مسجلة، يشاهده الكل بإعجاب، سواء المثقف أو حتى الإنسان البسيط. والملاحظ أن كثيرًا من سيدات البيوت يتابعن برامجه، ومنهن السيدة زوجتي.
تغطية موقع جريدة الوطن اليوم الدولي






