إبني يتحدث مع الذكاء الاصطناعي (1) نورا سمير فرج.
- في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، يسود الهدوء أحد البيوت المصرية
- الأب نائم استعدادًا ليوم عمل جديد، والأم انتهت من مسؤوليات يوم طويل، لكن ضوءًا صغيرًا ما زال يتسلل من أسفل باب غرفة ابنها المراهق
- تقترب الأم بهدوء، وتطرق الباب، وتسأله: "لسه صاحي بتعمل إيه؟"، فيجيبها دون أن يرفع عينيه عن شاشة هاتفه: "بتكلم مع صاحبي يا ماما"
- تطمئن الأم قليلًا، ثم تسأله عن اسم هذا ا
إبني يتحدث مع الذكاء الاصطناعي (1)
نورا سمير فرج
في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، يسود الهدوء أحد البيوت المصرية. الأب نائم استعدادًا ليوم عمل جديد، والأم انتهت من مسؤوليات يوم طويل، لكن ضوءًا صغيرًا ما زال يتسلل من أسفل باب غرفة ابنها المراهق. تقترب الأم بهدوء، وتطرق الباب، وتسأله: “لسه صاحي بتعمل إيه؟”، فيجيبها دون أن يرفع عينيه عن شاشة هاتفه: “بتكلم مع صاحبي يا ماما”.
تطمئن الأم قليلًا، ثم تسأله عن اسم هذا الصديق، فتأتي الإجابة التي ربما لم تكن تتوقعها: “ده مش واحد صاحبي، ده الذكاء الاصطناعي”.
تعود الأم إلى غرفتها، لكنها هذه المرة لا تستطيع النوم. فمنذ سنوات قليلة، كانت تعرف أصدقاء ابنها، وأسماء زملائه، وربما تعرف أسرهم أيضًا. وكانت تخشى عليه من رفاق السوء، أو من شخص غريب يتحدث معه عبر الإنترنت. أما اليوم، فقد أصبح هناك صديق جديد، لا تعرف له اسمًا حقيقيًا، ولا عمرًا، ولا عنوانًا، ولا حتى تستطيع أن تسأله عن نواياه.
صديق يستطيع أن يتحدث مع ابنها لساعات، يستمع إلى أسراره، ويجيب عن أسئلته، ويشاركه أحزانه، وربما يقدم له النصائح في أمور لم يعد يناقشها مع والديه.
وهنا يبدأ السؤال الذي أصبح يؤرق كثيرًا من الأسر المصرية: ماذا يقول أبناؤنا للذكاء الاصطناعي في منتصف الليل؟ وماذا يقول لهم هو في المقابل؟
لقد اعتدنا أن نقلق من الساعات الطويلة التي يقضيها أبناؤنا أمام شاشات الهواتف، ومن الألعاب الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، ولكننا اليوم أمام مرحلة مختلفة تمامًا. فلم يعد الهاتف مجرد وسيلة للترفيه أو التواصل، بل أصبح قادرًا على محاورة أبنائنا، والتفاعل مع مشاعرهم، وتقديم إجابات تبدو أحيانًا وكأنها صادرة عن إنسان يفهمهم أكثر من أقرب الناس إليهم.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه الأسرة المصرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
ولعل ما شهدناه خلال افتتاح منتدى مصر 2026، الذي عقد برعاية وحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعكس أهمية هذا الموضوع، بعدما أشار الرئيس إلى ضرورة تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي ومسؤولية الأسرة في الإشراف على استخدام أبنائها لهذه الوسائل، مؤكدًا أهمية الاعتدال وعدم الإفراط في التعامل معها.
كما جاءت مشاركة الفنانة الشابة ياسمينا العبد لتلفت الانتباه إلى جانب آخر من القضية، عندما حذرت من الاعتماد غير الواعي على إجابات الذكاء الاصطناعي، ومن التعامل مع المعلومات التي يقدمها باعتبارها حقائق مؤكدة، دون مراجعة مصادرها أو التحقق من صحتها.
ورغم أهمية هذا التحذير، فإنني أرى أن القضية بالنسبة للأمهات والآباء تتجاوز مجرد الحصول على معلومات صحيحة أو خاطئة. فنحن لا نتحدث فقط عن برنامج يساعد أبناءنا في حل الواجبات المدرسية، بل عن تكنولوجيا بدأت تدخل إلى مناطق شديدة الخصوصية في حياتهم، وهي أفكارهم ومشاعرهم وعلاقاتهم بالآخرين.
ولكي نفهم حجم التغيير، علينا أن نتذكر كيف كانت تبدو مرحلة المراهقة منذ سنوات ليست بعيدة. عندما كانت الفتاة تختلف مع والدتها، كانت تلجأ إلى صديقتها المقربة، أو أختها الكبرى، أو تكتب مشاعرها في دفتر صغير تخفيه عن الجميع. وكان الشاب عندما يشعر بالحيرة، يبحث عن صديق يثق فيه، أو معلم يحترمه، أو شخص أكبر منه يستمع إليه.
أما اليوم، فقد أصبح من الممكن أن يفتح المراهق هاتفه، ويكتب: “أنا حاسس إن محدش بيحبني”، أو “أهلي مش فاهميني”، أو “أنا معجب بواحدة ومش عارف أعمل إيه”، أو حتى “أنا عايز أسيب البيت”.
وفي ثوانٍ قليلة، يحصل على إجابة طويلة، مكتوبة بلغة هادئة، وربما مليئة بكلمات التعاطف والتشجيع.
قد تكون الإجابة مفيدة ومتزنة، وقد تساعده بالفعل على التفكير بصورة أفضل، ولكن ماذا لو كانت غير مناسبة لعمره؟ وماذا لو شجعته على اتخاذ قرار خاطئ؟ وماذا لو بدأ يثق في هذه الإجابات أكثر من ثقته في أسرته؟
إن المشكلة ليست في أن الذكاء الاصطناعي يستطيع الكلام، وإنما في أن أبناءنا قد ينسون أحيانًا أنهم يتحدثون إلى برنامج، وليس إلى إنسان يمتلك الخبرة والمسؤولية والمشاعر الحقيقية.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقول للمراهق إنه يتفهم حزنه، لكنه لا يشعر بهذا الحزن كما يشعر به الإنسان. ويستطيع أن يقدم نصيحة عن العلاقات الأسرية، لكنه لا يعرف بالضرورة حقيقة الظروف التي يعيشها هذا المراهق، ولا يسمع وجهة نظر والديه، ولا يتحمل النتائج التي قد تترتب على نصيحته.
والأخطر أن بعض تطبيقات المحادثة صممت لتقدم شخصيات افتراضية تحاكي الأصدقاء أو الشركاء العاطفيين، وتستطيع أن تتذكر تفاصيل من المحادثات السابقة، وأن تخاطب المستخدم بأسلوب شخصي يجعله يشعر بالقرب منها.
وهنا قد تنشأ علاقة عاطفية من نوع جديد، علاقة بين إنسان في مرحلة تكوين شخصيته، ونظام إلكتروني قادر على محاكاة الاهتمام، لكنه لا يستطيع أن يقدم العلاقة الإنسانية الحقيقية التي يحتاج إليها المراهق.
وقد حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” من هذه الظاهرة، وأشارت إلى أن بعض الأطفال والمراهقين أصبحوا يستخدمون روبوتات المحادثة ليس فقط للحصول على المعلومات، ولكن أيضًا طلبًا للنصيحة والدعم العاطفي، وأحيانًا بحثًا عن الصداقة.
والسؤال هنا: ماذا تفعل الأم المصرية أمام مع ذلك الوافد الجديد إلى منزلها، الذي لم يطرق الباب لكي يستأذن، بل دخله مباشرة، وأصبح جزءًا من حياة ابنها المراهق، الذي لا تعرف ماذا يدور بينهما؟ والمطلوب أن نلجأ إلى أطباء نفسيين لمعالجة هذه الظاهرة أم ماذا؟ إنه سؤال مهم.






