الدفاع الجوي وبطولات حرب أكتوبر 1973 لواء دكتور/ سمير فرج.
- الدفاع الجوي وبطولات حرب أكتوبر 1973
- كانت نشأة قوات الدفاع الجوي المصري في ثلاثينيات القرن الماضي، كأحد أفرع سلاح المدفعية المصرية، وكان يُطلق عليها آنذاك "المدفعية المضادة للطائرات"، حيث كانت تتبع سلاح المدفعية إداريًا، والقوات الجوية عملياتيًا، خاصة مع وجود أنظمة الإنذار الجوي
- وفي عام 1960، ظهر تطور جديد في التسليح العسكري العالمي، عندما نجحت الصواريخ السوفيتية المضادة للطائرات من طراز "سام" في إسقاط طائرة ا
الدفاع الجوي وبطولات حرب أكتوبر 1973
لواء دكتور/ سمير فرج.
كانت نشأة قوات الدفاع الجوي المصري في ثلاثينيات القرن الماضي، كأحد أفرع سلاح المدفعية المصرية، وكان يُطلق عليها آنذاك “المدفعية المضادة للطائرات”، حيث كانت تتبع سلاح المدفعية إداريًا، والقوات الجوية عملياتيًا، خاصة مع وجود أنظمة الإنذار الجوي.
وفي عام 1960، ظهر تطور جديد في التسليح العسكري العالمي، عندما نجحت الصواريخ السوفيتية المضادة للطائرات من طراز “سام” في إسقاط طائرة التجسس الأمريكية “U-2” فوق الأراضي السوفيتية، وأُسر طيارها فرانسيس غاري باورز. وكان لهذا الحدث تأثير كبير في الفكر العسكري العالمي، مما دفع مصر إلى السعي للحصول على هذه الصواريخ من الاتحاد السوفيتي، حيث سافر الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه إلى روسيا، وطلب إمداد مصر بها.
وبعد حرب يونيو 1967، تقرر إنشاء قوات الدفاع الجوي كقوة مستقلة، بقيادة الفريق محمد علي فهمي، في فبراير 1969. وخلال التحضير لحرب أكتوبر 1973، واقتحام قناة السويس وتدمير خط بارليف، ظهرت فكرة إنشاء “حائط الصواريخ”، الذي أصبح فيما بعد أحد أهم عناصر نجاح خطة العبور.
وبدأت الفكرة عندما اتبعت قوات الدفاع الجوي المصري أسلوب نصب الكمائن للطيران الإسرائيلي، مستفيدة من الأساليب والتكتيكات التي استخدمت خلال حرب فيتنام. ومع نهاية الستينيات، بدأت مصر في إنشاء حائط الصواريخ، من خلال إقامة الدشم الخرسانية ومواقع الصواريخ، وهو العمل العظيم الذي يعود فيه الفضل إلى عمال ومهندسي شركة المقاولون العرب، الذين قدموا نموذجًا رائعًا للتضحية والعمل الوطني.
ولقد حاولت إسرائيل خلال تلك الفترة تدمير مواقع حائط الصواريخ المصري، حيث نشرت مجلة “Aviation Week & Space Technology”، في عددها الصادر في نوفمبر 1970، أن إسرائيل خسرت خلال محاولاتها تدمير الحائط، من أغسطس إلى نوفمبر 1970، نحو 17 طائرة، بينما بلغ طول حائط الصواريخ نحو 140 كيلومترًا، وعمقه 55 كيلومترًا.
وقد اندهش الخبراء الروس الذين وصلوا إلى مصر مع هذه الصواريخ من قدرة الجندي المصري على تحطيم المعدلات الزمنية المقررة لفتح كتائب الصواريخ وتجهيزها للقتال، وهو ما عكس كفاءة المقاتل المصري وقدرته على استيعاب أحدث نظم التسليح والتعامل معها.
ولقد ظهرت مشكلة أخرى عندما امتنعت روسيا عن إمداد مصر بالوقود اللازم لهذه الصواريخ، في محاولة لعرقلة استعدادات مصر لعملية اقتحام قناة السويس، خاصة بعد مغادرة الخبراء الروس. إلا أن العلماء المصريين تمكنوا من إعداد تركيبة مصرية جديدة لوقود صواريخ “سام” الروسية، لتفشل بذلك محاولات إيقاف استخدام مصر لهذه الصواريخ.
وخلال هذه الفترة، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإمداد إسرائيل بالصواريخ مافريك الموجهة حراريًا، وكذلك صواريخ “شرايك” (Shrike) المضادة للرادار، لمساعدتها في القضاء على مواقع صواريخ “سام” المصرية. إلا أن قوات الدفاع الجوي المصري نجحت في اتخاذ الإجراءات المضادة لتحييد تأثير هذه الصواريخ وتعطيل فاعليتها.
وخلال حرب أكتوبر 1973، وكنت آنذاك أحد ضباط مركز القيادة الرئيسي للقوات المسلحة، المعروف باسم “مركز 10″، كان من أجمل الأخبار التي تلقيتها في حياتي ذلك الخبر الذي وصل في الساعة الثانية والربع ظهرًا، بعد بدء عبور قواتنا قناة السويس، عندما التقطت المخابرات الحربية المصرية إشارة لاسلكية من قائد القوات الجوية الإسرائيلية إلى جميع الطيارين الإسرائيليين، يأمرهم فيها بعدم الاقتراب من قناة السويس لمسافة 15 كيلومترًا، وهي المسافة التي كانت تقع داخل نطاق تأثير حائط الصواريخ المصري.
وفي تلك اللحظة، اطمأننت إلى أن خطة العبور سوف تنجح، لأن حائط الصواريخ المصري سوف يمنع الطائرات الإسرائيلية من مهاجمة قواتنا خلال مرحلة العبور واقتحام خط بارليف.
وطوال فترة الحرب، لم تتمكن الطائرات الإسرائيلية من الاقتراب من القوات المصرية شرق القناة عبر نطاق حائط الصواريخ، إلا من خلال محاولات الالتفاف من اتجاه البحر الأبيض المتوسط، لتجنب مواجهة شبكة الدفاع الجوي المصري وحققت قوات الدفاع الجوي مع القوات الجوية النسوية جميعهم كبير ا في قيادة مشتركة خلال أعمال القتال.
وهناك العديد من القادة والأبطال الآخرين الذين قدموا بطولات عظيمة خلال حرب أكتوبر، خاصة رجال قوات الدفاع الجوي الذين تولوا مهمة الدفاع عن بورسعيد، ومن بينهم اللواء أيمن سيد أحمد.
ولقد كان للفكر العسكري الذي قدمته القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر تأثير كبير في تطور العقائد العسكرية العالمية، حيث بدأ الغرب، بعد الحرب مباشرة، في دراسة وتطبيق مفهوم جديد، هو “تحييد القوات الجوية المعادية”.
فقد كان الفكر العسكري قبل حرب أكتوبر يعتمد في تقييم القوة الجوية على مفهومين رئيسيين، هما “التفوق الجوي” (Air Superiority)، و”السيادة الجوية” (Air Supremacy)، وكان الاعتقاد السائد أن الطرف الذي يمتلك السيطرة الجوية يستطيع فرض إرادته على مسرح العمليات، ولا يمكن للطرف الآخر أن يتفوق عليه.
ولكن جاءت تجربة حائط الصواريخ المصري لتقدم مفهومًا جديدًا في الفكر العسكري، وهو أنه رغم امتلاك العدو للتفوق الجوي، فإنه يمكن تخصيص جزء من مسرح العمليات، ومنعه من التدخل فيه باستخدام منظومة دفاع جوي قوية ومتكاملة.
وهكذا، قدم رجال الدفاع الجوي المصري، خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، مفاهيم جديدة للفكر العسكري العالمي، وأثبتوا أن الدفاع الجوي لم يعد مجرد وسيلة لحماية القوات والمنشآت، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في نجاح العمليات الهجومية وتحقيق الأهداف الاستراتيجية.
تغطية موقع جريدة الوطن اليوم الدولي .






